الوجع الذي صنعنا - كيف تحول الألم إلى قوة؟

الوجع الذي صنعنا
خاطرة الوجع الذي صنعنا

الوجع الذي صنعنا ليس مجرد ألم يمر بنا، بل هو الجسر الذي عبَرنا عليه نحو القوة، حيث تعلّمنا كيف ننهض من رمادنا.

الوجع الذي صنعنا - كيف نبتت القوة من الجراح؟

الألم هو تلك النار التي تحرقنا من الداخل تلك القوة الصامتة التي تتسلل إلى أرواحنا دون دعوة، تتركنا عاجزين أحياناً، وممزقين أحياناً أخرى، لكن ماذا لو كان هذا الوجع، بكل حدته وثقله، هو المادة الخام التي نصنع منها أنفسنا؟

ماذا لو كان الألم ليس نهاية بل بداية لشيء أعمق، أقوى، وأكثر جمالاً؟ في هذا العالم المعقد حيث تتشابك خيوط الحياة بين الفرح والحزن، يبقى السؤال: كيف نأخذ هذا الوجع ونحوله إلى قوة لا تُقهر؟ هذا المقال ليس مجرد كلمات، بل رحلة عبر الجراح التي نحملها، والنور الذي يمكن أن ينبثق منها إذا ما تجرأنا على مواجهتها.

الألم - المعلم الأقسى والأصدق

في البداية لا أحد يختار الألم لا أحد يستيقظ في الصباح ويقول: "اليوم سأدع الجرح ينزف، سأدع الحزن يأكلني" الألم يأتي كضيف ثقيل، يطرق الباب بقوة، ويدخل دون انتظار إذن، قد يكون خسارة عزيز، أو حلم تحطم على صخرة الواقع، أو خيانة جرحت القلب بأعمق ما فيه، لكن وسط هذا الظلام، هناك حقيقة لا مفر منها: الألم هو معلم ومعلم قاسٍ، نعم، لكنه صادق، لا يكذب عليك، لا يجمل الحقيقة، بل يضعها أمامك عارية، حادة، وموجعة.

تخيل معي تلك اللحظات التي سقطت فيها على ركبتيك، تلك الليالي التي قضيتها تبكي حتى جفت الدموع، أو تلك الأيام التي شعرت فيها أن العالم انهار فوق رأسك، في تلك اللحظات كنت تعتقد أنها النهاية، أليس كذلك؟

لكن إذا نظرت إلى الوراء الآن، سترى أن تلك اللحظات لم تكن مجرد انهيارات، بل كانت لحظات بناء، الألم يعرّفك على نفسك، يكشف عن نقاط ضعفك، ويجبرك على مواجهة الظلال التي طالما هربت منها، عندما تفقد شيئاً ثميناً، تتعلم قيمة ما تملك، عندما تنكسر، تكتشف أنك قادر على جمع شظاياك وإعادة تشكيلك بطريقة أقوى مما كنت عليه، الألم لا يعلمنا الصبر فحسب، بل يعلمنا كيف نصير أشخاصاً لا يمكن كسرهم بسهولة مرة أخرى.

من الجرح إلى الجسر - بناء القوة خطوة بخطوة

لكن كيف يحدث هذا التحول؟ كيف يمكن لشيء موجع أن يصبح مصدر قوة؟ الإجابة ليست في الهروب من الألم، ولا في تجاهله، بل في الغوص فيه، الألم ليس عدواً يجب أن تهزمه، بل مادة خام تحتاج إلى صيغتها بعناية، تخيل نفسك كالحداد الذي يضع الحديد في النار: النار تحرق، تؤلم، لكنها أيضاً تشكل، بدونها يبقى الحديد مجرد قطعة باردة عديمة الفائدة.

الألم هو تلك النار التي تشكلنا، والطريقة التي نتعامل بها معه هي التي تحدد ما إذا كنا سنخرج منها سيوفاً حادة أم مجرد رماد.

الخطوة الأولى هي القبول، لا يمكنك أن تحول الألم إلى شيء إيجابي إذا كنت تنكره أو تكرهه عليك أن تنظر إليه في عينيه، أن تقول: "أنت هنا، وأنا لن أهرب" هذا القبول ليس استسلاماً، بل شجاعة.

ثم تأتي خطوة المواجهة: اسأل نفسك، ماذا يمكنني أن أتعلم من هذا؟ كيف يمكنني أن أستخدم هذا الوجع لأصبح أفضل؟ قد تكون الإجابات بسيطة أحياناً، مثل أن تتعلم أن تعتني بنفسك أكثر، أو أن تختار معاركك بحكمة، وقد تكون عميقة، كأن تكتشف أنك تملك صلابة لم تكن تعرفها من قبل.

أتذكر قصة امرأة فقدت ابنها الوحيد في حادث مأساوي في البداية كانت الدنيا سوداء في عينيها، كانت تستيقظ كل يوم وهي تتمنى أن لا تكون قد استيقظت أصلاً، لكن مع الوقت بدأت تكتب عن ألمها، عن ابنها، عن الحياة التي كانت تحلم أن يعيشها.

تلك الكلمات التي نزفت من قلبها تحولت إلى كتاب، ثم إلى جمعية خيرية تساعد الأمهات اللواتي مررن بتجارب مماثلة، لم يعد الألم مجرد جرح، بل أصبح جسراً يربطها بالآخرين، ويمنحها هدفاً، هذا هو التحول الحقيقي: عندما تأخذ الوجع وتصنع منه شيئاً ينير حياتك وحياة من حولك.

نحن أقوى مما نعتقد

في النهاية الوجع الذي صنعنا ليس عيباً نحمله، بل وسام شجاعة، كل ندبة في أرواحنا تحكي قصة كل دمعة سقطت كانت بذرة لشيء أكبر، لسنا ضحايا الألم، بل نحن من نصنع منه قوتنا، الحياة لن تتوقف عن إلقاء التحديات في طريقنا، والألم لن يغادرنا تماماً، لكن الخيار دائماً بأيدينا: هل سنتركه يحطمنا، أم سنجعله يرفعنا؟

أنت، نعم أنت الذي تقرأ هذه الكلمات الآن، ارفع رأسك واستمع: الألم الذي عبرتَ من خلاله لم يكن لعنة تهدمك، بل نار صقلتك، كل لحظة وجع كانت تضع لبنة في حصن قوتك، كل سقوط كان درساً حفر في عظمك كيف تنهض كالجبال، نحن لسنا مجرد أجساد تعيش الحياة، نحن محاربون ننحت أنفسنا من جمر آلامنا، فإذا كان الوجع هو من صنعنا، فلنحوله إلى سيف لا ينكسر، إلى عمق لا يُدرك، إلى إنسانية تتحدى الزمن!.

تمت الكتابة بواسطة: حسيب أورفه لي.

author-img
موقع محترفين العرب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent