إنسان غريب - رحلة التحول في عالم متغير

إنسان غريب
خاطرة إنسان غريب

الحياة مليئة بالمفاجآت التي تدفع الإنسان لإعادة اكتشاف نفسه، وقد يجد في هذه الرحلة أنه أصبح إنسان غريب، ليس لأنه ابتعد عن الآخرين بل لأنه اقترب أكثر من ذاته.

إنسان غريب

في خضم التيارات المتلاطمة التي تحملنا عبر الحياة، بين لحظات الهدوء والاضطراب، يجد المرء نفسه أحياناً واقفاً أمام مرآة الذات، يتساءل عن هويته الحقيقية، كنت أعتقد أنني أعرف من أنا، أن لديّ خطة واضحة لحياتي، لكن الزمن، بكل غموضه وتقلباته، يعلمنا أن الثبات وهم، وأن التحول قد يكون قدراً لا مفر منه.

بدأت أشعر بأنني لم أعد تلك النسخة التي عرفتها يوماً، بل أصبحت شيئاً آخر، شيئاً يمكن أن أسميه "إنسان غريب"، ليس بمعنى الانفصال عن العالم، بل بمعنى أعمق، كأنني أعيش في فضاء بيني وبين ما كنت عليه وما أصبحت أطمح إليه، الحياة ليست مساراً مستقيماً يمكن السير فيه دون تفكير، بل هي متاهة مليئة بالمفاجآت التي تدفعنا لإعادة تشكيل أنفسنا مرة بعد أخرى.

البداية الصامتة للابتعاد

كانت الأيام تمر كما اعتدتها: روتين يعيد نفسه، محادثات مكررة، ووجوه أعرف خطوطها جيداً، لكن في لحظة ما، شعرت بتحرك داخلي غامض كأن هناك صوتاً خافتاً يهمس لي بأن هذا ليس كل ما في الأمر، بدأت أشعر بمسافة تنمو بيني وبين تلك الدائرة التي كنت أظنها مركز عالمي.

لم يكن الابتعاد عن الآخرين هو السبب، بل كان الأمر متعلقاً بي، بطريقة تفكيري التي بدأت تتغير، برؤيتي للأمور التي أصبحت تتجاوز السطح، بدأت أتساءل عن معنى كل شيء: القيم التي كنت أؤمن بها، العلاقات التي بنيتها، والمسار الذي كنت أسير فيه.

في تلك اللحظات شعرت بأنني أصبحت إنساناً غريباً، ليس لأنني رفضت العالم من حولي، بل لأنني بدأت أرى ما وراء الستار، كنت أعيش في جسد مألوف، لكن عقلي كان يستكشف أراضٍ جديدة، أفكاراً لم أتوقع يوماً أن أحتضنها، كانت تلك الغرابة مزيجاً من الراحة والقلق، كأنني اكتشفت جزءً من نفسي كان مطموراً، لكنه لم يكن يتماشى مع الصورة التي كنت أحملها عن ذاتي لسنوات.

التغيير الذي لا يُسمع

التغيير لا يأتي دائماً مع ضجيج أو أحداث كبيرة تُعلن عن نفسها، أحياناً، يكون هادئاً كالنسيم الذي يمر دون أن تلاحظه، لكنه يترك أثراً عميقاً بدأت ألاحظ أن اهتماماتي تتحول، أن الكتب التي كنت أعشقها لم تعد تروي عطشي، وأن الأحلام التي كنت ألاحقها فقدت بريقها.

كنت أجلس بين أصدقائي أسمع ضحكاتهم لكن جزءً مني كان بعيداً، يسبح في أفكار لم أكن أجرؤ على البوح بها، كنت أنظر إلى العالم بعيون جديدة، كأنني أراه لأول مرة.

هذا الشعور جعلني أشبه إنساناً غريباً، ليس لأنني انعزلت أو ابتعدت عن الواقع، بل لأنني بدأت أعيش الحياة بطريقة مختلفة، أصبحت أتأمل الطبيعة كما لو كانت تحكي لي قصصاً لم أسمعها من قبل، أستمع إلى الموسيقى كأنها لغة جديدة تتحدث إلى روحي، وأفكر في الحياة كلغز لا نهائي بدلاً من خطة محددة، لم أعد أشعر بالحاجة إلى أن أكون جزءً من كل شيء، بل وجدت نفسي أبحث عن المعنى في اللحظات الهادئة، في التفاصيل التي كنت أمر عليها مرور الكرام.

العيش خارج القالب

مع الوقت أدركت أن هذا الشعور بالغرابة ليس ضعفاً، بل قوة لم أكن أعرفها من قبل، بدأت أرى أن الكثيرين يعيشون حياتهم وفق أنماط جاهزة، لكنني لم أعد قادراً على أن أكون مثلهم، لم أكن أرفضهم أو أنظر إليهم بازدراء، لكنني لم أعد أشعر بأنني أنتمي إلى تلك الأطر، كنت إنساناً غريباً، ليس لأنني فقدت هويتي، بل لأنني بدأت أعيد بناءها بطريقة تعكس ما أصبحت عليه، لا ما كنت عليه.

هذا الشعور حررني من السعي وراء موافقة الآخرين أو تأكيدهم، أصبحت أجد راحتي في اللحظات التي أقضيها مع نفسي، أفكر، أكتب، أو أتأمل فيما حولي، لم أعد أخشى أن أكون مختلفاً، بل بدأت أرى أن هذا الاختلاف هو جوهر وجودي، كنت أعيش في عالم يطالبني دائماً بأن أكون شيئاً واضحاً، محدداً، لكنني اخترت أن أكون إنساناً غريباً، شخصاً لا يمكن حصره في تعريف واحد.

إنسان غريب بكل فخر

في النهاية أدركت أن أكون إنساناً غريباً ليس عيباً، بل هو امتياز يحمل في طياته تحدياً وجمالاً، إنه شعور يمنحك الحرية لتكون أنت بعيداً عن أحكام الآخرين أو قيود الماضي، تعلمت أن أحتضان هذا الجزء من نفسي كما أحتضن السماء التي تتبدل ألوانها كل يوم.

ربما لن أعود أبداً إلى تلك النسخة القديمة من ذاتي، لكنني لم أعد أرغب في ذلك، في هذا العالم المتغير وجدت مكاني كإنسان غريب، شخص يحمل في داخله شيئاً فريداً، شيئاً لا يمكن وصفه إلا بتلك الكلمات البسيطة التي تحمل كل المعاني: إنسان غريب.

تمت الكتابة بواسطة: حسيب أورفه لي.

author-img
موقع محترفين العرب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent