خاطرة الحنين إلى الماضي يفتكّ بي

الحنين إلى الماضي
خاطرة الحنين إلى الماضي

كَم أخذ هذا العمر منا؟ وكم كلّفتنا تلك الحياة من ثمن؟ حتى بتّنا نهرول إلى غياهب الذاكرة علّنا نعود بأدراجنا إلى الماضي، خاطرة الحنين إلى الماضي يفتكّ بي.

خاطرة الحنين إلى الماضي

أحنُّ إلى الماضي بطريقة تكاد تُفجع قلبي، كما لو أنني أخسر روحي رويداً رويداً، إنها الحالة التي تجعلك عالق عند زمن واحد لا يمكن لك الخلاص منه على الإطلاق، إنها نشوة الاعتكاف، اللامغادرة، تشعر وكأن العالم بأسره يمشي نحو الأمام وأنت تعود أدراجك وكأن هناك سلسلة زمنية تقوم بسحبك إلى ذاك الزمن!!.

أتفهمني؟ أشعر بالحنين ياهذا!!

لغرفتي الصغيرة تلك وكتبي المتناثرة، لأغاني فيروز التي تسبق أوقات الدراسة، لكأس القهوة الذي ارتشفه على عجل حتى أستطيع البدء بالدراسة بتمعن أكبر!.

كيف رسمت لنفسي خاتمة كهذه؟ تلك التي ليس بها تفصيل مثير للاهتمام؟ روحي لا تزال هناك فقط حيث كتبي، وتأففي من مدرستي، حيث أمشط شعري وأقول لمرآتي متى سأكبر، كفاكِ غباء لا تكبري!.

كان لدي طقوس مميزة، وإيمان مطلق بأن خلق الطقوس يبني الذكريات، وتلك الذكريات من شأنها أن تُشعرك بأنك حي متى استحضرتها، لذا عمدت دائماً على عمل طقوس فريدة من نوعها عند قيامي بأي شيء، سواء طقوس للعب أو طقوس للدراسة أو حتى طقوس للترفيه عن نفسي.

سأخبرك بالتفصيل عما كنت أفعله، كنت أضع مخططاً أنظم به ما سأدرسه، وأقوم بتحضير كوب القهوة واستمع لبعض الأغاني وخاصةً أغنية "عيناكِ" لـ خالد الشيخ أو "حنين" لـ ميادة بسيلس، ثم أضع كتبي على طاولتي الصغيرة وأفضّل دائماً أن تكون قرطاسيتي ملونة، تلك الألوان كانت تشدني للدراسة.

ثم استمع للأغنية جيداً وانطلق بالدراسة، وبعد مضي وقت الدراسة المحدد وبدء وقت الراحة، اخرج إلى الشرفة لاستنشق بعضاً من الهواء العليل، فأجد الصبية يلعبون في الحي والفتيات يتسامرن على الأرصفة فأشعر باللذة تلك بأنني أحيا هنا!.

أو مثلاً دعني استحضر لك ذكرى تعود بعمرها لأكثر من من خمسة عشر عاماً، حيث كان العيد وكان جدول الزيارة يعتمد على زيارة الأقارب وارتداء أجمل الملابس ثم العودة ليلاً والعودة تلك دائماً ما تكون على كتف أخي!!.

كنت اتعمد النوم عند انتهاء الزيارة وهذا مجرد أداء تمثيلي أقوم به حتى يحملني على كتفه، ويأخذ بي مع العائلة إلى المنزل وأنا بالكاد انظر بطرف عيني لأرضية الشوارع التي ينعكس عليها أضواء الأحياء الصفراء، وصوت إخوتي وهم يتحدثون عن أخبار العائلة التي عرفوها في هذه السيارة بصوتٍ منخفض!.

نعم… أشعر بالحنين ولله، لم أعد أريد هذا العمر الذي أنا به الآن، ليس خوفاً من الكِبر، إنما قهراً من هذا الزمن، أو لربما لأن المسؤوليات التي أصبحت ملقاة على كاهلي تفوق ثِقل الجبال، لا أعلم!!.

كل ما أدركه يا صديقي بأنني مشتاقة لتلك الأيام التي لم أكن بها مكترثة لشيء، كل ما أطمح له هو القليل من النقود لشراء المثلجات أو دمية أثارت شهيتي للعب بها، لم أعد أريد تلك المسؤوليات، هذا العمل المجهد، حالة عدم القدرة على حمل جسدي، حتى النظر للمرآة تخيل!.

لم أعد أجد وقت يمكن له أن يساعدني على الاهتمام بصحتي، بنفسي، بأنوثتي، أنا فقط آلة تعمل ليل نهار، تشتهي مزيداً من الوقت حتى تلاعب طفلتها، لقد نسيت كيف يكون اللعب حتى!.

تلك مجرد عبثيات لا تكترث لها، لكنني ولله تعبت! وقد ملّ الكلام من فَرط الألم والكلام!!.

تمت الكتابة بواسطة: فريال محمود لولك.

author-img
موقع محترفين العرب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent