![]() |
خاطرة رحيل أبي |
في رحيل أبي، أدركتُ أن الفقد ليس مجرد كلمة، بل شعور يسكن الروح ويغير ملامح الحياة، يترك فراغاً لا يملؤه شيء، وذكريات تظل نابضة رغم مرور الزمن.
في رحيل أبي… تبدلت ملامح الحياة للأبد
في لحظةٍ واحدة تغيرت الحياة كان رحيل أبي كالصاعقة التي تضرب قلب شجرةٍ عتيقة، فتنهار جذورها وتذبل أغصانها في صمتٍ موجع، لم أكن أعلم أن الألم يمكن أن يكون بهذا العمق، وأن الفراغ يمكن أن يصبح كائناً حياً يتنفس بجانبي، يرافقني في كل خطوة ويهمس في أذني كل ليلة: "لن يعود"، كنت أظن أن الحزن مجرد دموع تسقط ثم تجف، لكنني اكتشفت أنه جبلٌ ثقيل يستقر فوق الصدر، يسرق الهواء، ويترك النفس تلهث وراء ذكرى لن تعود.
كنت أتمنى أن أبدأ عاماً جديداً مع أبي، أن أرى ابتسامته تضيء أيامي، أن أسمع صوته يناديني كما كان يفعل دائماً، كنت أحلم بأن أشاركه أفراحي الصغيرة، أن أحكي له عن يومي، عن مخاوفي، عن آمالي، لكن القدر لم يمهلني، وتركني أواجه السنين وحيداً، أحمل قلباً ثقيلاً، وروحاً مكسورة، وأمنيةً لن تتحقق: "أبي".
موت والأماكن والنفس والأشياء وزوال الأمان والفرح
كان البيت مليئاً بالحياة حين كان أبي موجوداً، كان كرسيه في زاوية الغرفة يحمل حضوره حتى في غيابه المؤقت، وكان صوته يملأ الجدران بدفءٍ لا يوصف، الآن أصبح البيت كالقبر، صامتاً، بارداً، خالياً من روحه، أمشي في الغرف فأجد أماكنه ميتة، كأنها تنتظر عودته لتعود للحياة، لكنها تعلم كما أعلم أن المنتظر لن يأتي.
الشوارع التي كنا نمشي فيها معاً، المقاهي التي كان يحبها، حتى الطريق إلى السوق، كلها ماتت بعد رحيله، لم تعد الأماكن مجرد جدران وأحجار، بل أصبحت شاهدة على غيابٍ لا يُحتمل، تحمل ذكرياتٍ تطعنني كلما مررت بها.
لم أكن أعرف أن جزءً من روحي كان مرتبطاً بأبي إلى هذا الحد، مع رحيله شعرت وكأن شيئاً بداخلي انطفأ، كأن النور الذي كان يضيء نفسي قد خُطف فجأة، أصبحت أعيش كجسدٍ بلا روح، أتنفس لأنني مجبر على ذلك، لكن الحياة بداخلي توقفت.
كلما حاولت أن أضحك، أن أفرح، أن أكمل يومي كالمعتاد، أجد شبح أبي يقف أمامي، يذكرني بأنني لم أعد كما كنت، موت النفس ليس موتاً كاملاً، بل هو عذاب يومي، هو أن تعيش وأنت تشعر أنك لست حياً، أن تبتسم ودموعك تحرق عينيك من الداخل.
كل شيء كان يحبه أبي أصبح يحمل طعم الموت، كوب الشاي الذي كان يشرب منه كل صباح، ثيابه التي ما زالت معلقة في الخزانة، قلمه الذي كان يكتب به ملاحظاته الصغيرة، كلها أصبحت رماداً في عيني، لم أعد أستطيع لمسها دون أن أشعر بأن يدي ترتعش، ودون أن أرى صورته أمامي، مبتسماً كما كان، حتى الأشياء التي لم تكن تعني لي شيئاً في السابق، أصبحت الآن جرحاً مفتوحاً، لأنها كانت جزءً من عالمه الذي لم يعد موجوداً.
كان أبي درعي، كان الأمان الذي أحتمي به من العالم كنت أشعر أنني بأمان طالما هو موجود، أن لا شيء يمكن أن يكسرني طالما يده تمسك بيدي، لكن مع رحيله، زال الأمان وأصبحت كطفلٍ تائه في غابةٍ مظلمة، أبحث عن مأوى ولا أجده، والفرح؟ لقد رحل معه لم أعد أعرف طعم الضحكة الحقيقية، ولا معنى السعادة التي لا تحمل ألماً خفياً، كل فرحةٍ الآن ناقصة كل ابتسامةٍ مرسومة بالدموع، لأن من كان يعطيها معنى قد ذهب إلى الأبد.
كيف تموت الحياة ونحن على قيدها؟
كيف يمكن للحياة أن تستمر بعد رحيل من كان يعطيها معنى؟ كيف أستيقظ كل يوم وأواجه العالم دون أبي؟ أشعر أنني أعيش موتاً بطيئاً، أنني أسير في طريقٍ لا نهاية له، محملاً بثقل الذكريات وخفة الفراغ، الحياة تموت ونحن أحياء تموت في عيوننا حين ننظر إلى كرسيٍ فارغ، في أيدينا حين نمدّها إلى هاتفٍ لن نتصل به بعد الآن، في قلوبنا حين نتذكر أن من نحب لن يعود.
كنت أتمنى أن أبدأ عاماً جديداً فيه أبي، أن أقول له "كل عام وأنت بخير"، أن أحتضنه وأشعر بدفء قلبه يعانقني، لكن الآن، كل ما أملكه هو دعاءٌ أرسله إلى السماء، ودمعةٌ تسقط في صمت، وأمنيةٌ أكتبها في قلبي وعلى صفحات الزمن: "أبي".
تمت الكتابة بواسطة: حسيب أورفه لي.