عندما يتحول الألم النفسي إلى ألم جسدي - هل بات جسدي يعاقبني؟

هل بات جسدي يعاقبني
خاطرة هل بات جسدي يعاقبني

كنت أظن الألم النفسي وهماً، لكنه ترك أثراً في عظامي، ثقلاً في صدري، نبضاً في رأسي، هل بات جسدي يعاقبني لأنني تجاهلت صرخات روحي المنهكة؟

هل بات جسدي يعاقبني؟

كنت أظن أن الألم النفسي مجرد ضيف عابر، نسمة تمر بي ثم تذهب دون أن تترك أثراً، كنت أعتقد أنني أستطيع دفنه في زاوية من روحي، أغلق عليه الباب وأمضي قدماً كأن شيئاً لم يكن، لكنني كنت مخطئاً، فالألم لم يكن مجرد ضيف، بل كان بذرة صغيرة زُرعت في داخلي، تنمو بصمت، تتشابك جذورها مع أنفاسي، حتى أصبحت جزءً من كياني لا أستطيع التخلص منه.

بدأ الأمر كشعور خفيف، ثقل صغير في صدري، كأن حصاة استقرت هناك دون أن أدعوها، تجاهلتها، ظننت أنها مجرد تعب عابر، قلق يومي سيزول مع كوب قهوة دافئ أو لحظة سكون، لكن تلك الحصاة لم ترحل، بل كبرت، وتحولت إلى صخرة تضغط على رئتي، تسرق مني القدرة على التنفس بحرية، تجعلني أشعر أن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً لا يطاق.

كنت أقضي ليالي طويلة مع أفكاري، أجلس في صمت، أحاورها في داخلي، أحياناً أعاتبها بصوت لا يسمعه أحد، الذكريات كانت تتراكم كأوراق متساقطة في خريف لا ينتهي، خيبات الأمل كانت تتكدس فوق كتفي كأحمال لم أخترها، والخسارات التي مرت بي جعلتني أشعر أنني أفقد جزءً من نفسي كل يوم.

لم أكن أدرك أن هذا النزيف الداخلي، هذا الحزن الذي كنت أحبسه في أعماقي، سيجد طريقاً ليعلن عن نفسه، بدأت أشعر به يتسرب إلى جسدي، كتفاي أصبحتا ثقيلتين كأنني أحمل جبلاً لا يراه أحد، رأسي بدأ ينبض بنبضات حادة كأن أفكاري تحولت إلى مطارق تضربني بلا توقف، معدتي بدأت تتمرد، تتقلص كأنها تعاقبني على كل دمعة منعتها، على كل صرخة أسكتتها في حلقي.

لم أعد قادراً على التظاهر أن كل شيء بخير، كنت أحاول أن أرسم ابتسامة على وجهي، أرتدي قناعاً يخفي ما أعيشه، لكن جسدي كان يرفض هذا الخداع، ظهري بدأ ينحني، كأنه يقول لي: "كفى، لم أعد أستطيع تحمل هذا الوزن"، كنت أستيقظ كل صباح بجسد يئن، مفاصلي تتأوه كأنها تحكي قصة معركة خضتها في الليل دون أن أدرك من كان خصمي.

هل كنت أنا الخصم؟ هل كان هذا الألم النفسي الذي أصررت على تجاهله هو من قرر أن ينتفض، أن يترك بصماته على جسدي ليثبت وجوده؟ كنت أتساءل في داخلي: هل يمكن لشيء غير مرئي أن يصبح بهذه القوة، أن يتحول إلى سلاح يهاجمني من الداخل؟

هل أنا من صنعت هذا الألم؟

كنت ألوم نفسي أحياناً، ربما لأنني لم أعانق حزني يوماً، لم أسمح له أن يتنفس، دفنته في أعماقي كما يدفن المرء كنزاً لا يريد لأحد أن يجده، لكن تلك الأحزان لم تبقَ مدفونة، ثارت، تحررت، وجدت طريقها إلى جسدي، ربما لأنني رفضت البكاء حين كان قلبي يتوسل إليّ أن أتركه يتحرر، اختار جسدي أن يبكي بدلاً مني، أن يعبر عن الوجع بطريقته الخاصة.

كنت أشعر أنني محبوس في سجنين: سجن الروح الذي يخنقني بأفكاري، وسجن الجسد الذي يعذبني بآلامه، كلاهما يحاكمني، يتهمني بذنب لم أعترف به بعد، ذنب أنني حاولت أن أكون أقوى مما أنا عليه، أن أتظاهر بالصلابة بينما أنا أنهار من الداخل.

هل هي نهاية أم بداية شفاء؟

لا أعلم إن كان هذا الألم سيظل رفيقي إلى الأبد، أم أنه سيرحل يوماً تاركاً وراءه علامات تذكرني بما عشته، لكنني بدأت أدرك أن جسدي ربما لا يعاقبني، بل يحاول أن يوقظني، يصرخ في وجهي لأتوقف عن الهروب، لأستمع إلى صوتي الداخلي، لأعانق جروحي بدلاً من أن أدير لها ظهري، بدأت أفكر أن الشفاء قد يبدأ حين أتوقف عن المقاومة، حين أسمح للدموع أن تسقط، للروح أن تتنفس، للجسد أن يرتاح من ثقلها.

ربما هذا الألم ليس عقاباً، بل دعوة لأنظر إلى نفسي بعين الرحمة، لأتعلم أن أكون لطيفاً مع روحي كي نعيش معاً في سلام، في النهاية، أدركت أن الألم النفسي لا يتحول إلى ألم جسدي ليهزمني، بل ليذكرني أنني حي، أنني أشعر، وأن الحياة، بكل ما فيها من وجع، تستحق أن أعانقها بصدق، هل بات جسدي يعاقبني؟ لا، ربما هو فقط يحاول أن ينقذني من نفسي.

author-img
موقع محترفين العرب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent