خاطرة قلوبٌ تحن لقلوبٍ تئن

خاطرة قلوبٌ
خاطرة قلوبٌ

يُسخّر الله لعباده أُناساً لـ يمدوا يد العون لغيرهم من خلال رفع راحات كفوفهم إلى السماء، خاطرة قلوبٌ تحن لقلوبٍ تئن، مقولةٌ أعجبتني لصاحب قصةٍ ذات عبرة.

خاطرة قلوبٌ تحن لقلوبٍ تئن

أخبرني أحدهم ذات يوم، عن قصةِ رجلٍ غَرق في البحر وكان يحاول التقاط ما تبقى من الهواء قبل انسياب جسده كالورق في أعماق البحر، وبينما هو يحاول رفع جسده للأعلى، كان لسانه ينطق بـ دعاء نبي الله يونس حيث قال: {سبحانك ربي إني كنت من الظالمين}.

ثم يكرر الدعاء ويتبعه رجاءً من الله بأن ينقذه، إلى أن اقترب قارب صغير منه وظهر منه رجلاً مسناً وأخبره بأن يلتقط يده لكي ينقذه، لكن الرجل أبى وقال أن الله سينجيه مما هو فيه….

تكرر الأمر مع ثلاثة قوارب للنجاة قد قَدمت إليه ولكن عبثاً لم يقبل أن يدعهم ينقذوه، وهنا تبين أن الرجل قد غُيّب تماماً عن فكرة أن الله يُرسل عبادٍ لـ عباد كوسائل بعدما يُهيء لهم السُبل، وفي قصة هذا الرجل عبرة في أن تلك القوارب والسفن لم تكن إلا الوسيلة التي أرسلها الله ولكن لم يفهمها الرجل.

ما أحاول قوله هنا، هو أن الله يسخّر لعباده المتألمين، عبادً تحنّ عليهم وتمد لهم يدّ العون…

كان محمد دائم الصلاة، مواظباً على القيام، متضرعاً لوجه الله، يرى نفسه غير مكتمل الإيمان، ويعترف بهذا فلا ينكره، أينع قلبه بـ حب الله وعبادته، ولم يكترث لأمرٍ آخر من شأنه أن يجعله ينحرف عن الصراط المستقيم الذي تخطو أقدامه عليه.

ورغم اغترابه وعيشه وحيداً، فإنه بَقي على ما عاهده منذ الطفولة، سألته ذات مرة: من الذي صقلك بهذا الشكل؟ وجعلك موجهاً نظرك نحو الإيمان كالبوصلة التي لا تنحرف؟، أجابني بكلمة واحدة: "أمي فاطمة".

خَبزت فاطمة بيديها أولادها، وأطعمتهم من خُبز الإيمان، فشربوا حليب الاستقامة، إلى أن أصبح حب الله وعبادته يجري في دمائهم فلا يتوقف أو يَضعف ما لم تُهدر تلك الدماء، أيقنت فاطمة أن ما تفعله سيُبقيهم مُقيدين بحبال القرب من الله مهما غابوا عنها، حتى وإن حاولت الحياة أن تجرفهم وتأخذ بهم نحو المسار الخاطئ، فإن البوصلة تلك لم تكن لتخطئ أبداً.

تبني تلك القلوب دواخلها بالدعاء، ولكل دعاءٍ قبلة مسارها لقلب من يَئن، فتأتي كـ البلسم الذي يمسح على القلب ما يؤلمه، ويداوي بهذا جَرحه وإن كان عميق، حتى أن تلك العادة كالعدوى تنتقل، إذ نُقلت لقلب مُحمد، وبدأ يُداوي بها بقية القلوب التي تئن تلك، بالدعاء!!.

الدعاء الذي يختصر الكثير من الحديث الفارغ، دعاءٌ موجه لله وحده، ويَقصد به رحمته لـ تلك القلوب التي تئن، حتى إذ وصل الدعاء إلى أبواب السماء، تَجد رحمة الله تخترق تلك القلوب وتشفي غليلها وتشرح صدرها.

عندما انتفضت دواخلي على إثر ما حدث، رأيته يصلي قائماً، ويدعو الله في حلمي، وعندما استيقظت سألته ما إن كان ما رأيته حقيقياً، فأخبرني أن الدعاء حديث الصامتين، يصل ليلبي مآرب كل عبدٍ، لأن الله كريم ولا يبخل على عباده ما إن قصدوه، تلك هي رسالته التي حفظتها ظهراً عن قلب، وأدركت حينها أن هذه العادة، عليها أن تستمر.

كلٍّ في رحاه يتلو دعاءً لنفسه، ولكن اليوم سيتلو دعاءً لأخيه حتى يسعف دعاءه، وفي أيامنا هذه، تلك التي تمر بظلالها الداكنة على بلادي، لا أجد مُسعفاً لنا سوى الدعاء، فهو وحده من يَكفل حقوقنا وآلامنا، ويجعل كَيد الظالمين بنحورهم، تلك هي رسالتي، وعليها أخبركم، على كل عبدٍ أن يتعلم من فاطمة، تلك الامرأة التقية العفيفة، صاحبة المبسم الجميل والقلب الرقيق، التي قَصدت الله من قلبها الحنون، ليصل حدّ أعتاب تلك القلوب التي تئن بالدعاء.

تمت الكتابة بواسطة: فريال محمود لولك.

author-img
موقع محترفين العرب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent